من خلال هذه القصة التي حاولت أن أخاطب فيها وجدان وعقل كل أم مرت بتجربة إنجاب طفل ذو صعوبات .. ومن خلال هذه الشجون سأطرح تجربتي الخاصة لعلها تسلط الضوء على مراحل مررت بها وتمر بها غيري من الأمهات .
في فجر يوم متقلب الطقس من شهر التمور ، وبعد ولادة متعسرة سابقة لأوانها بشهر ونصف وبصرخات ضعيفة مترددة قدم ابني لهذا العالم .. ولم أدرك أن صرخاته الضعيفة كانت احتجاجاً على عالم لا ينصفه .. وبعد مرور ساعات منذ أخذه للحضانة نظراً لصغر حجمه وولادته في الشهر الثامن ، ذهبت وكلي وهن للسؤال على ابني لأنني لم استلم طفلي مثل بقية الأمهات ، وفي تلك اللحظة التي طرقت فيها حجرة الطبيب المناوب سائلة عن طفلي ، تحدث الطبيب الذي كان يبدو أنه قضى ليلته مناوباً قائلاً : أرجو أن لا يكون هذا هو ابنك .. وتساءلت بنظراتي بعد أن احتبس صوتي ..
واستـرسـل قائـلاً : هذا المولود ضعيفاً جـداً ، ولا أعتقـد أنه سـيكون بخـير .. لا أعتقد بأن أحواله ستتحسن .. ولم أسمع إلى بقية حديثه ،ووجدت نفسي أقول أن الأمر ليس بيدك بل بيد الله ولم أعد أملك من حواسي شيئاً حتى إنني نسيت ملامح ذلك الطبيب ، ولم أفقه مما قاله شيئاً ، فقط أحسست بأن هناك رصاصة انطلقت من الغيب بدون رامي أو جرح ينزف بدون دماء ، وأن هناك جرح مؤلم في فؤادي ووقفت جامدة أمام الباب الذي فجأة ظهرت من خلفه طبيبة صديقة لي ، وإذا بها تربت على كتفي وتتقد مني إلى حجرة مجاورة وفجأة انفجرت بالبكاء .. ولم استطع التوقف ، ولم أدرك في بادئ الأمر ما هي المشكلة .. وبعد ذلك حضر زوجي وأولادي وقد كان سرورهم لأخ رابع يفوق الوصف ولم أستطع أن أقول شيء ولم أن أكرر قول الطبيب لزوجي ..
شعرت بالخوف والارتباك وعدم التصديق ، وبعد مغادرة زوجي حضرت صديقتي وبرفقتها طبيبة قدمتها قائلة إن طفلك يعاني من خلل في تكوينه يحدد بالتحاليل ولكنه سيكبر وينمو ويقوم بكل شيء ، قد يكون متأخراً عن أقرانه في هذه المراحل قليلاً ولكنه طفل جميل ، فقط نحن نحتاج لتغيير دمه نظراً لارتفاع صفراء الولادة لديه وهذا أمر شائع نقوم به لأطفال عدة فلا تقلقي وقد لا نحتاج لهذا الأمر وبالفعل تناقصت نسبة الصفراء لطفلي ولم يحتاج لتغيير دمه وكانت هذه أول خطوات إثبات وجوده وتحديه لصعوباته ، نظرت إليه كتلة لحم صغيرة تحت الإضاءة لتكسير الصبغة تحت جلده ورأسه صغير جميل مغطى بشعر ناعم وملامح دقيقة رقيقة .. تجاهلت قول الطبيب ، لقد رأيت العزيمة للبقاء لدى طفلي مما شد من أزري رغم حزني وألمي وخوفي من المجهول وما سيكون عليه هذا الطفل .. ارتبكت مشاعري وصدمت بما سمعت ولكن في تلك اللحظة لم أفهم الأمور بوضوح ، اعتقدت أن ابني لديه صعوبات نظراً لولادته المبكرة ولم يتبادر إلى ذهني أمور أخرى . حملته بعد عدة أيام مغادرة به المستشفى بخطوات مترددة ، لقد اعتنت به صديقتي بصورة بثت الاطمئنان في نفسي وقلبي شعرت بهذه المشاعر تغادر ني مع زوجي بخروجي من المستشفى وعند عودتي لبيتي فرح أخوته به .. كان صغيراً صوته يغوص بين حنايا ضلوعه وكنت حائرة مترددة أراه طفلاً جميلاً ولكنه لا يشبه اخوته . شيء ما لم أدركه وصممت أن أجعله يكافح ويقاوم ويثبت أنه سيكون بخير ، حزمت أمري ودحضت مخاوفي وقررت أن أعتني بغذائه .. كنت أشعر بجرح غائر في صدري وبخوف من مستقبل مجهول وذنب لم أقترفه يعاقبني الله عليه .. وحاولت جاهدة أن أتحاشى به الأقارب والأهل .. وأسترق النظر لزوجي محاولة أن أستشف هل لديه رأي ، وهل لديه مخاوف مثلي ؟ هل أبلغه بما قيل ؟ وكيف أقوم بهذا وأنا لم أصدق ما قيل ؟ وبعد عدة أيام إذا بزوجي يحضر لي كتاباً قائلاً ما رأيك ألا يشبه هذا أبننا .. لم أصدق الشبه وثبتت عيناي على الصورة وحولت تفادي ما كتب تحتها .. أنا أرفض رغم أن الأمر كان واضحاً ..
حاولت أن أبرر: كلا ليس به شبه إنه الشعر فقط ، بل الأنف وحاولت أن انهي الموضوع لا أريد أن أتأكد من شيء ، رغم أن ما كتب يؤكد أن طفلي لديه متلازمة داون ، وقد حاولت كثيراً أن أتفادى لقاء أي طبيب في العائلة ولاحظت أن ابني يصرخ بقوة ولا يجلس منتصباً .. ولا يرفع رأسه بسهولة .. ويقضي معظم وقته نائماً .. قليلاً جداً ما يطلب طعامه .
حاولت أن أثير انتباهه ودست على كل مشاعر الخوف والقلق وعملت على إثارته ، فكنت أضع المذياع قريباً منه في سريره وأجلسه في مقعد المواليد و أتحرك به داخل البيت ، استخدم أكياس النايلون لإصدار أصوات قريبة من أذنه ، أحدثه وأجلسه في حجري ، أمام المرآة وأقرأ له القصص ، أشجع أصابعه الصغيرة لتلمس الساخن والبارد والأملس والخشن وكنت أقول له إن الإناء ساخن والكوب بارد وهكذا أتحدث إليه وأحدق في عينيه ، أشجعه في كل استجابة مهما كانت بسيطة آمنت أنه يستطيع ، وانتقلت من مرحلة التكتم إلى مرحلة القبول الإيجابي ورأيت أنه لكي يتغلب طفلي على صعوباته يجب أن أعترف أن لديه صعوبات وأتحدث عنها وأحددها وأعمل أنا وأسرتي على التغلب عليها فلم أعد أنزوي في ركن عند زيارة الآخرين ، بل كنت أجلس أنا وطفلي بكل وضوح وأتعرض للسؤال مثلاً لماذا لم يجلس حتى الآن ؟ رغم أن عمره خمسة أشهر ، فأجيب بأن لديه بعض الصعوبات ونحن نشجعه لكي يجلس ، ونعلمه حتى لا يتأخر في ذلك كثيراً ووجدت نفسي أتحدث دون حرج عن صعوبات طفلي وأبحث وأسرتي عن وسائل لمساعدته على التطور والنمو .
وتدرج في طور نموه دون تأخر واضح ، وذلك لأنه مكافح ولأننا كأسرة تتكاثف جهودنا لمعاونته وتطويره ولأننا آمنا بأنه قادر ولديه كل مقومات التطور والنمو . وعملنا على تثقيف أنفسنا درسنا واطلعنا وقرأنا وترجمنا وحاضرنا وسافرنا وتحدثنا باسمه في مؤتمر عالمي ورفع راية بلاده خفاقة في أوقات الحصار .. كان قوياً رغماً عن صعوباته ومكافحاً رغم ضيق نظر محيطه ، ثقته بنفسه جعلته يتدرج في حضانة عامة مع أقرانه وكذلك في روضة عامة ووضع قدمه على سلم التعليم الأساسي .. نحن كأسرة وكذلك أطفال متلازمة داون ندين له بالكثير فهو الذي جعل منا أسرة قوية في تماسكها وعملنا حيث حثنا على الإطلاع والتعلم ومعرفة الحقائق العلمية وتفاصيلها وجعل لنا رسالة وهدف وخلق في داخل كل منا قدرة هائلة على العطاء والإيثار والإيمان .. وكل هذا بفضل الله ثم بفضل عزيمته التي نقلتني من مرحل الصدمة والرفض والشعور بالذنب بأسرع ما يمكن لتثبت
أقدامي على مرحلة العطاء والقبول الإيجابي وهكذا علمتني الحياة وعلمني ابني أن الحب وحده لا يكفي .. بل الإيمان بالله سبحانه وتعالى ثم بقدرات الطفل الذي لديك يعمل المستحيل وأن ينتقل الإنسان بإيمانه خلال المراحل الخمس ( الصدمة _ الرفض _ الحزن والشعور بالذنب _ القبول السلبي _ القبول الإيجابي ) .
أ. فاطمة إبراهيم بن عامر
| < السابق | التالي > |
|---|




